العيني

186

عمدة القاري

جارِكَ فأنْزَلَ الله تَصْدِيقَها * ( وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَاهَا ءَاخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذالِكَ يَلْقَ أَثَاماً ) * الآيَةَ ا مطابقته للترجمة من حيث أن يكون نزول الآية المذكورة قبل الحديث ، وأن النبي استنبط منها هذه الأشياء الثلاثة وبلغها فيكون الحديث مما تضمنته الآية فيدخل فيها وفي تبليغها . والحديث مضى عن قريب بعين هذا الإسناد والمتن في : باب قول الله تعالى : * ( الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الاَْرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَآءَ بِنَآءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ) * ومضى الكلام فيه . 47 ( ( بابُ قَوْلِ الله تعالى : * ( كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِّبَنِى 1764 ; إِسْرَاءِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَاءِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ) * ) ) أي : هذا باب في قول الله عز وجل : * ( قل فأتوا بالتوراة ) * وسبب نزولها ما روي عن ابن عباس ، رضي الله تعالى عنهما ، أنه قال : كان إسرائيل اشتكى عرق النساء فكان له صياح فقال : إن أبرأني الله من ذلك لا آكل عرقاً . وقال عطاء : لحوم الإبل وألبانها . قال الضحاك : قال اليهود لرسول الله ، حرم علينا هذا في التوراة ، فأكذبهم الله تعالى وأخبر أن إسرائيل حرم على نفسه من قبل أن تنزل التوراة ودعاهم إلى إحضارها ، فقال : * ( قل فأتوا بالتوراة ) * الآية ثم إن غرض البخاري من هذه الترجمة أن يبين أن المراد بالتلاوة القراءة ، وقد فسرت التلاوة بالعمل ، والعمل من فعل الفاعل ، وسيظهر الكلام وضوحاً مما يأتي الآن . وقَوْلِ النبيِّ أُعْطِيَ أهْلُ التَّوْرَاةِ التَّوْرَاةَ فَعَملُوا بِها ، وأُعْطِيَ أهْلُ الإنْجِيلِ الإنِجِيلَ فَعَمَلُوا بِهِ ، وأُعْطِيتُمُ القُرْآنَ فَعَمِلْتُمْ بِهِ وقول النبي ، بالجر عطفاً على قول الله تعالى : * ( قل فأتوا بالتوراة ) * والمقصود من ذكر هذا وما بعده ذكر أنواع التسليم الذي هو الغرض من الإرسال والإنزال وهو التلاوة والإيمان به والعمل به ، وهذا المعلق يأتي الآن في آخر الباب موصولاً بلفظ : أوتي وأوتيتم ، وقد مضى في اللفظ المعلق : أعطي وأعطيتم ، في باب المشيئة والإرادة في أوائل كتاب التوحيد . وقال أبُو رَزِينٍ : يَتْلُونَهُ يَتَّبِعُونَهُ ويَعْمَلُونَ بِهِ حَقَّ عَمَلَهِ . أبو رزين بفتح الراء وكسر الزاي وسكون الياء آخر الحروف وبالنون هو ابن مسعود مالك الأسدي التابعي الكبير الكوفي . وفسره قوله تعالى : * ( الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُوْلَائِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمن يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَائِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ) * بقوله : يتبعونه ويعملون به حق عمله ، كذا في رواية أبي ذر ، وفي رواية غيره : يتلونه يتبعونه ويعملون به حق عمله ، ووصله سفيان الثوري في تفسيره من رواية أبي حذيفة موسى بن مسعود عنه عن منصور بن المعتمر عن أبي رزين فذكره . يُقالُ : يُتْلاى يُقْرَأُ ، حَسَنُ التّلاوَةِ حَسَن القِراءَةِ لِلْقُرآنِ . أراد بهذا أن معنى التلاوة القراءة ، والدليل عليه أنه يقال : فلان حسن التلاوة ، ويقال أيضاً : حسن القراءة . قوله : للقرآن ، يعني لقراءة القرآن ، والفرق بينهما أن التلاوة تأتي بمعنى الاتباع وهي تقع بالجسم تارة ، وتارة بالاقتداء في الحكم ، وتارة بالقراءة وتدبر المعنى . قال الراغب : التلاوة في عرف الشرع تختص باتباع كتب الله المنزلة : تارة بالقراءة وتارة بامتثال ما فيها من أمر ونهي ، وهي أعم من القراءة ، فكل قراءة تلاوة من غير عكس . لا يَمَسُّهُ : لا يَجِدُ طَعْمَهُ ونَفْعَهُ إلا مَنْ آمَنَ بِالقُرْآنِ ، ولا يَحْمِلُهُ بِحَقِّهِ إلاّ المُوقِنُ لِقَوْلِهِ تعالى : * ( مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُواْ التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِئَايَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) *